أحمد بن محمد ابن عربشاه

341

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ثم قال الوزير : إن هذا الملك الكبير مقاصده العظيمة أن تكون الأمور مستقيمة ، وأن يصلح العباد والبلاد ، ويطمئن المستفيد والمستفاد ، فاحتفظ أيها السفير المنير الضمير بما سمعت ورأيت وشاهدت ووعيت ، وأجعله من عنوان أنبائك ومقدمات أفعالك وآرائك ، وأبلغه من يحفّك « 1 » من أمامك وورائك ، ومهما وصلت إليه قدرتك وأحاطت به يدك وكلمتك ، من إبلاغ الخير إلى مسامع الوحش والطير عن هذا الملك وأوصافه ، وتطلعه إلى مراقي السّير والإحسان واستشرافه ، وما تسكن به الخواطر وتطمئن به الضمائر ، وتقر به العيون بالسرور وتستقر به القلوب في الصدور ، فلا تأل فيه جهدا ، وأوسع فيه جدا ، ولا تنه في إنهائه حدا فإن المجال ؛ واسع وميدان المقال شاسع ، وقد أذن لك فيه وإن أخفيته في نفسك فالله مبديه . ثم كتب له بذلك مراسيم عن ثغر الأماني مباسيم ، وأفيض عليه خلع الكرامة وأضيف إليه الحمامة ، ورجع إلى أهله مغمور بفضله مسرورا بقوله مشكورا بفعله ، فائزا بالمطلوب ظافرا بكل مرغوب ، فارغ البال طيب الحال ، فاتصل بأهل دياره وهم في انتظاره ، فبادروه بالسلام وقابلوه بالاستلام ، وقالوا : ما وراءك يا عصام ، فبلغ الجواب بأرشق عبارة وأليق خطاب ، وذكر لهم ما رأى وسمع ووعى ، فانتشرت هذه الأخبار حتى ملأت الأقطار ، وتسامع بها وحوش القفار ، وفاح بطيب نشرها الأزهار ، فكان جميع البرّ معطار . ثم اجتمع رؤساء الوحوش والبهائم ، وعرفاء الصوادح والبواغم « 2 » ، وكل ساكن في القفار من سائم وحائم ، وأرسل كل إلى أمته رسوله يدعوها إلى ما يحصل سولها وسوله « 3 » ، فلبت كل أمة دعوة رسولها ، وأقبلت

--> ( 1 ) أي من أحاطوا بك واهتموا . ( 2 ) البواغم ، مفردها الباغمة : الظبية . ( 3 ) أي سؤلها وسؤله .